محمد فاروق النبهان
41
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
لها والروع يطوقه ويحيط به : زمّلوني زمّلوني فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع ، وأخذ يحدث خديجة ويخبرها الخبر : - يا خديجة . . لقد خشيت على نفسي . . . قالت خديجة بلهجة المرأة الواثقة من زوجها المؤمنة بأن ما جاء به هو بداية رسالة ، وأنه مقبل على عهد جديد لا عهد له به ، ما كان يدري قبله ما الكتاب ولا الإيمان . « كلا . . . واللّه لا يخزيك اللّه أبدا . . إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق » . لم يكن محمد يتوقع هذا الأمر ، ولا يعرفه ولا يدري عنه شيئا . . وأنّى له أن يعلم ، ومكة لم تكن دار علم ولا ثقافة ، وأهلها لا يعلمون إلا القليل عن تاريخ الأنبياء والرسل . وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ ( 86 ) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ « 1 » وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ « 2 » . ويقف محمد حائرا خائفا وجلا . . . ويسمع من جديد ذلك الصوت الذي ما زال يسمعه : اقرأ باسم ربك الذي خلق ، وينظر إلى خديجة وهي تقف إلى جانبه تشجعه وتقويه وتشد أزره ، ما كان يرجو أن يلقى إليه الكتاب ، وما كان يدري ما الكتاب والإيمان . هل يمكن أن يكون ما رآه مجرد اختلاط وقع في وعيه ، أو حلم نائم ، وهل يمكن للأحلام أن تظل حية في الوجدان بعد أن يستيقظ النائمون ، وهل يصح في نظر العقول أن يؤدي اختلاط العقول إلى حكمة تضاهي حكمة القرآن وإلى
--> ( 1 ) سورة القصص ، الآيتان : 86 - 87 . ( 2 ) سورة الشورى ، الآية : 52 .